يواجه مرضى السرطان في العراق أزمة حقيقية لا تقتصر على المرض ذاته، بل تمتد لتشمل التكاليف الباهظة للعلاج، التي باتت تشكل عبئًا لا يطاق على كاهل الأسر العراقية. في ظل نظام صحي يعاني من أزمات التمويل وضعف الخدمات، يجد المرضى أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر: البحث عن العلاج داخل البلاد بتكاليف مرتفعة أو السفر إلى الخارج حيث تكون النفقات أكبر. كيف تفاقمت هذه المشكلة؟ وما الحلول الممكنة؟
تكلفة العلاج في العراق: أرقام صادمة
ارتفاع أسعار الأدوية والعلاجات
تعاني المستشفيات العراقية من نقص حاد في الأدوية الأساسية لعلاج السرطان، مما يضطر المرضى إلى شرائها من الصيدليات الخاصة بأسعار خيالية. في المستشفيات الأهلية والخاصة، تتراوح تكلفة جراحة سرطان الثدي بين 2 إلى 4 ملايين دينار عراقي، بينما تتراوح تكلفة جلسة العلاج الكيميائي بين 700 إلى 1000 دولار، أما العلاج الإشعاعي فلا تقل تكلفته عن 3000 دولار. أما علاج سرطان الرأس والعنق، فيصل إلى 12,000 دولار، مع تكاليف إشعاع تتراوح بين 6000 و7000 دولار. أضف الى ذلك أن 30% من مرضى سرطان الثدي يحتاجون إلى عقار هيرسبتين البيولوجي، الذي تبلغ كلفة كل جرعة منه 1200 دولار، إلا أن نقص الإمدادات يجعل المرضى ينتظرون طويلاً أو يضطرون لشرائه على نفقتهم الخاصة.
التشخيص: خطوة مكلفة تؤخر العلاج
الفحوصات التشخيصية تعد من أهم مراحل العلاج، لكنها تشكل عقبة أمام الكثيرين بسبب تكاليفها المرتفعة. التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) والمسح المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET Scan) يمكن أن يكلفا مئات الدولارات لكل جلسة، مما يدفع المرضى للبحث عن بدائل أقل تكلفة، لكنها قد تكون أقل دقة. يُقدم العلاج الإشعاعي مجانًا في المستشفيات الحكومية خلال الدوام الصباحي، بينما تُفرض رسوم تصل إلى 40 ألف دينار عراقي (28 دولارًا) في الفترة المسائية، مما يجعل العلاج مكلفًا رغم كونه ضمن المرافق الحكومية.
ضعف الخدمات الصحية الحكومية
البنية التحتية المتهالكة
القطاع الصحي الحكومي في العراق يعاني من تدهور حاد، خاصة بعد سنوات من الصراعات. محافظة نينوى مثال صارخ، حيث خرجت خمسة مستشفيات رئيسية عن الخدمة خلال الحرب ضد تنظيم داعش، مما أدى إلى نقص خطير في الخدمات الطبية، خاصة في مجال علاج الأورام. مدير مستشفى الأورام والطب الذري في نينوى أكد أن المستشفى يقدم حاليًا الجرعات الكيميائية مجانًا، لكن هذه الجرعات غالبًا ما تنفد بسبب محدودية الإمدادات، بينما يفتقر المستشفى إلى الأجهزة المتطورة مثل المعجل الخطي للعلاج الإشعاعي والعلاج باليود المشع.
هل هناك حلول؟ مقارنة مع دول الجوار
نماذج ناجحة من دول الجوار
- مصر: أطلقت الحكومة المصرية برنامجًا شاملاً لمكافحة السرطان، حيث توفر العلاج الكيميائي والإشعاعي مجانًا للمرضى المسجلين في نظام التأمين الصحي. كما تم دعم إنتاج الأدوية الجنيسة محليًا، مما ساهم في خفض الأسعار بشكل كبير.
- إيران: توفر الحكومة الإيرانية الأدوية المضادة للسرطان بأسعار مدعومة من خلال نظام تأمين صحي شامل، كما تدير العديد من المستشفيات المتخصصة في الأورام بتكلفة رمزية للمرضى المحليين.
- تركيا: يعتمد النظام الصحي التركي على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث يمكن للمرضى تلقي العلاج بأسعار معقولة في المستشفيات الجامعية أو الحكومية، مع إمكانية تغطية نفقات العلاج عبر التأمين الصحي العام.
كيف يمكن للعراق تحسين أوضاع المرضى؟
- إطلاق نظام تأمين صحي شامل يضمن توفير العلاجات الأساسية للمرضى مجانًا أو بأسعار رمزية.
- إعادة هيكلة أسعار الأدوية عبر دعم استيراد الأدوية الجنيسة منخفضة التكلفة.
- توسيع مراكز العلاج المتخصصة لضمان توفر العلاج الإشعاعي والكيماوي لجميع المرضى دون الحاجة للسفر بين المحافظات.
- تشجيع الاستثمار في التصنيع المحلي للأدوية لتقليل الاعتماد على الأدوية المستوردة ذات الأسعار المرتفعة.
- دعم استيراد الأدوية بأسعار مدعومة لتقليل العبء المالي على المرضى وأسرهم.
- فرض رقابة صارمة على أسعار الأدوية لمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار.
- توسيع برامج الكشف المبكر لتقليل أعداد الحالات المتقدمة التي تحتاج إلى علاجات باهظة الثمن.
- إنشاء صندوق وطني لدعم مرضى السرطان يغطي تكاليف العلاج لذوي الدخل المحدود.
هذه الإجراءات ستساعد في تخفيف الأعباء المالية عن المرضى وتحسين جودة الرعاية الصحية في العراق.
الخاتمة
تعد أزمة ارتفاع تكاليف علاج السرطان في العراق مأساة إنسانية تحتاج إلى حلول عاجلة. في ظل التزايد المستمر في أعداد المرضى، لا يمكن للعراق أن يظل متفرجًا على معاناة مواطنيه. المطلوب هو إصلاحات جذرية تشمل توفير التأمين الصحي، دعم أسعار الأدوية، وتعزيز البنية التحتية الصحية. إنقاذ حياة المرضى يجب أن يكون أولوية وطنية، وليس مجرد وعود مؤجلة.