تخيل أن الرحم هو غرفة فارغة في منزلك، مقفلة ومتروكة، ولا تفتحها أو تؤثثها إلا عندما تتوقع زيارة ضيوف. يخبرك صديق معين أنه سيأتي هذا الشهر، لكنه لا يحدد الموعد بالضبط، فتبدأ بالتخطيط لاستقباله.
المرحلة الأولى: إعادة ترميم الغرفة (مرحلة التأثيث والتجديد)
بعد انتهاء الدورة الشهرية السابقة، تبدأ عملية تكوين بطانة رحمية جديدة بفضل هرمون الإستروجين الذي يفرزه المبيض. خلال هذه الفترة، تتضاعف خلايا البطانة الرحمية، وتتمدد الأوعية الدموية، وتنمو الغدد الرحمية استعدادًا لوصول الضيف المحتمل (الجنين).فيصبح الرحم وكأنه غرفة قد فُرشت بسجاد مخملي غني بالأوعية الدموية، وجاهز لاستقبال البويضة الملقحة.
المرحلة الثانية: استعداد أكثر وتحضير أدق
بعد الإباضة، يتوقع الرحم أن هذه البويضة سيتم تلقيحها، فيتكوّن الجسم الأصفر الذي يفرز البروجيستيرون، مما يؤدي إلى زيادة سمك البطانة الرحمية الداخلية، وتضخم الغدد الرحمية، وازدياد تدفق الدم إلى الرحم. يصبح المكان أكثر دفئًا واحتواءً، وكأن كل شيء أصبح مثاليًا لاستقبال الضيف.
الضيف الذي لا يصل… انهيار عاطفي ونسيجي
لكن الضيف لا يأتي! فيبدأ الجسم الأصفر بالضمور تدريجيًا، مما يؤدي إلى انخفاض مفاجئ في مستوى البروجيستيرون، وهو الهرمون الذي كان مسؤولًا عن تهيئة الرحم للحمل وتثبيت بطانته. عندها، تنقبض الأوعية الدموية الحلزونية (Spiral arteries) التي كانت تغذي بطانة الرحم، فيقل تدفق الدم، ومعه تقل نسبة الأوكسجين الواصلة للبطانة، فتبدأ عملية التموت الخلوي المبرمج (Apoptosis)، وتبدأ البطانة في الانهيار، مما يؤدي إلى تراكم طبقات من الخلايا الميتة داخل الرحم.
عامل التنظيف في طريقه… موجة تقلصات والآلام قادمة
بعد أن دخل الرحم في انهيار عاطفي ونسيجي شديد لأن توقعاته لم تتحقق، يستعيد اتزانه قليلًا، ثم يقوم بتصنيع البروستاغلاندين. يأتي البروستاغلاندين وكأنه فريق تنظيف متخصص، لكنه لا يعمل بهدوء ولطف، بل يتدخل بقوة، محدثًا تقلصات شديدة في العضلات الملساء في المنطقة البطنية، لطرد البطانة المتحللة إلى الخارج عبر فتحة المهبل. لا يكتفي البروستاغلاندين بالعمل بصرامة، بل يثير الأعصاب الحسية المحيطة، مما يجعلها أكثر حساسية للألم، فتبدو التقلصات الرحمية وكأنها عاصفة من التمزقات تحدث في الداخل. ولأن الجهاز الهضمي والرحم يشتركان في شبكة عصبية متشابكة، فإن ارتفاع نسبة البروستاغلاندينات قد يؤثر على الأمعاء، مما يسبب الإسهال أو الغازات والانتفاخ، فتزداد معاناة الألم خلال الدورة الشهرية.