قراءة نقدية لقياس الجاهزية الصحية
في عام 2018 أثرت موجات الحر على 220 مليون شخص حول العالم كان غالبيتهم من كبار السن والاطفال. وقد اشار تقرير lancet countdown الذي يصدر بشكل سنوي حول التغيرات المناخية وما لها من علاقة بصحة الانسان ،الى ان هذه الارقام ارتفعت عن ارقام الاصابات التي قاموا بتسجيلها في عام 2015 وبزيادة بلغت 11 مليون حالة أصابة.
تكشف هذه الإحصائيات لنا عن حجم الضرر الصحي الناتج من استمرار حدوث موجات الحر وازدياد شدتها بشكل سنوي، كما أنها تجعلنا نتساءل: هل الأنظمة الصحية تمتلك القدرة على الاستجابة لمثل هذه الحالات أثناء فترات وقوعها بشدة؟ وكيف يمكننا أن نقيم جاهزية المستشفيات لمواجهة موجات الحر والأمراض المرتبطة بها؟
أولًا، لنعرف ما المقصود ب “جاهزية المستشفيات” لمواجهة موجات الحر؟
هي قدرة المؤسسات الصحية على الاستجابة الفعالة للأمراض المرتبطة بالحرارة، وذلك من خلال توفيرها لخطط وتدريب الكوادر الطبية عليها، إضافة إلى توفيرها للموارد والمعدات اللازمة للسيطرة على مثل هذه الأزمات في حالة وقوعها. لكن، وقبل أن نغوص في الكلام عن جاهزية المستشفيات، ألا يجب أن نعرف ما المقصود بالأمراض الحرارية؟
الأمراض الحرارية المرتبطة بموجات الحر
هي الأمراض التي تنشأ عندما يتعرض الإنسان لموجات الحر (Heat Waves)، وتعرف هذه الموجات بأنها فترات من الارتفاع غير الاعتيادي في درجات الحرارة تستمر عدة أيام متتالية وتحدث خلال أوقات محددة من السنة. وترتبط هذه الموجات بزيادة مخاطر الإصابة بحالات مثل الإجهاد الحراري (Heat Stress) وضربة الشمس (Heatstroke)، وكلاهما يندرج ضمن مجموعة الأمراض الحرارية (Heat Illness). ويكمن العامل المشترك بين هذه الأمراض في أنها تحدث بسبب فشل الجسم في تنظيم درجة حرارته (Failure of Thermoregulation) أثناء التعرض لدرجات حرارة بيئية مرتفعة (Excessive Environmental Heat).
الآن لنعد إلى جاهزية المستشفيات لمواجهة موجات الحر، ولما نريد أن نجعل منها قضية مهمة؟
لأن العديد من الدراسات السابقة حول الأمراض الحرارية ركزت على المرضى أنفسهم وعلى عدد الإصابات وعدد الوفيات، وأجروا مقارنات بين أكثر طرق العلاج كفاءة وسرعة. مع أن هذه الدراسات مهمة، إلا أنها لم تُعرِ انتباهًا للأنظمة الصحية التي تستجيب لهذه الحالات الطارئة. لقد وجدنا أن فئة قليلة جدًا من الباحثين هم من طرحوا التساؤل حول: “هل المستشفيات نفسها مستعدة للتعامل مع هذه الحالات؟ وكيف يمكننا أن نقيس هذه الجاهزية؟”
الدراسة الصينية وتطوير مقياس HeatPEPS
في مقاطعة شاندونغ (Shandong) في الصين، سعى مجموعة من الباحثين لايجاد اجابة للسؤال الذي طرحناه قبل قليل. لقد لاحظوا عدم وجود أدوات متخصصة يمكنها قياس مدى استعداد المؤسسات الصحية للتعامل مع هذه الحالات. لذلك قرروا أن يصمموا مقياس يقيس جاهزية المستشفيات على الاستجابة للأمراض الحرارية وسموه (HeatPEPS) وهو اختصار:
Heat Perceived Emergency Preparedness Scale for heat illness
وهي أداة تقيس جاهزية العاملين في أقسام الطوارئ معتمدين على تقييمهم الذاتي أو إدراكهم الذاتي لقدراتهم واستعداداتهم. إن الهدف من هذا المقياس هو قياس الجاهزية المدركة (Perceived Preparedness)، والتي تمثل مستوى الجاهزية والاستعداد الذي يعتقد الفرد أنه يمتلكه، معتمدًا في التقييم على مدى ثقته بنفسه ومعرفته لقدراته وما يظن أنه يمتلكه من معرفة ومهارات. وقد تمكن المقياس من قياس مدى شعور الممرضين العاملين في أقسام الطوارئ في مقاطعة شاندونغ بأنهم مستعدون للتعامل مع حالات الاعتلال الحراري خلال موجات الحر الشديدة.
ما الذي نجح الباحثون في تحقيقه؟
نجح الباحثون في اختيارهم لمشكلة البحث، وتوجيه أهتمامنا نحو النظام الصحي نفسه والتفكير في مدى قدرته على الاستجابة لمثل هذه الحالات الطارئة. كما نجحوا في تصميم اداة متخصصة لقياس الجاهزية في الطوارئ(Emergency Preparedness).
لكن… ما الذي لم يوفقوا فيه؟
لم يوفق الباحثون في قياس مدى جاهزية المستشفيات بشكل واقعي، لأن الأداة التي قاموا بتصميمها لم تكن مخصصة لقياس الجاهزية على مستوى النظام الصحي، بل كانت مخصصة لقياس مدى شعور العاملين في أقسام الطوارئ بأنهم جاهزون لمثل هذه الحالات. تكمن نقطة الضعف هنا أن المقياس اعتمد على استبيانات التقييم الذاتي. وبذلك فإن النتائج تعكس ما يعتقد العاملون أنهم يمتلكونه من استعداد وقدرات، لكنها لا تثبت بالضرورة أن المؤسسة نفسها قادرة على الأداء بالكفاءة نفسها عند وقوع أزمة حقيقية. ودعنا نوضح لك الفكرة حول الفرق بين التقييم الذاتي والتقييم المؤسساتي بشكل أبسط.
مثال يوضح الفرق بين الجاهزية المدركة والجاهزية الفعلية
تخيل أن هناك مدرسة ابتدائية على وشك البدء بأداء امتحانات نهاية العام، وقد طُلب من أحد معلميها تقييم مدى استعدادهم. فإذا أجاب المعلم بأنه مستعد، فهل يعني ذلك أننا نستطيع أن نقيم المدرسة بأكملها، بما فيها الإدارة والقاعات والموارد والخطط التنظيمية، على أنها جاهزة لإدارة الامتحانات؟ غالبًا لا. فشعور الفرد بأنه جاهز وتقييمه لنفسه على أنه مستعد لا يكفي وحده للحكم على جاهزية المؤسسة بأكملها.
وينطبق الأمر نفسه على المستشفيات. فهناك فرق بين قياس رأي العاملين حول جاهزيتهم وبين قياس أداء المؤسسة نفسها عند تعرضها لضغط حقيقي.
ولذلك علينا أن ندرك التالي:
- أن الجاهزية المدركة ≠ الجاهزية الفعلية (وصفك لنفسك على انك مُتهيأ لمواجهة ظرف ما، لا يعني بالضرورة انك جاهز فعلياً على أرض الواقع).
Perceived Preparedness ≠ Actual Preparedness
- أن جاهزية الفرد واستعداده ≠ جاهزية واستعداد المؤسسة بأكملها.
Individual Preparedness ≠ Organizational Preparedness
وهذا هو الالتباس الذي لم يقم الباحثون بتوضيحه في بحثهم، فعند قراءة البحث واطلاعنا على النتائج، ظننا أول الأمر أن المقياس HeatPEPS كان مؤهلًا للحكم على جاهزية المستشفيات وكافيًا، وفي الحقيقة هو لم يكن كذلك.
فالجاهزية الفعلية تتطلب الإجابة عن أسئلة مختلفة، مثل:
كيف تم التعامل مع الأزمة أثناء وقوعها؟
هل كانت الموارد المتاحة كافية فعليًا؟
هل أثبتت الخطط الموضوعة فعاليتها تحت الضغط؟
هل كانت البروتوكولات المستخدمة مناسبة للحالة الطارئة؟
ما المشكلات التي ظهرت أثناء التطبيق؟
ما الأخطاء التي حدثت؟
ما النتائج التي تحققت فعليًا؟
هذه الأسئلة لا يمكن للإجابات الذاتية وحدها أن تقدم صورة كاملة عنها.
كيف يمكن قياس الجاهزية الفعلية للمستشفيات؟
لن نتمكن من قياس مدى جاهزية المستشفيات واستعدادها للتعامل مع الحالات الطارئة إلا إذا تمكنا من مراقبة أدائها وملاحظتها عن قرب لرؤية كيف تتعامل مع ذلك الظرف الطارئ. حيث يمكن أن يُقيَّم الاستعداد من خلال مراقبة الاستجابة الميدانية على مستوى المؤسسة الصحية بأكملها، آخذين بنظر الاعتبار النتائج التي حققتها المستشفيات بعد انتهاء الأزمة الصحية الطارئة.
ولكي نجري هذا التقييم فإننا نحتاج لفرق من الباحثين والخبراء لا يرتبطون بالمؤسسة التي يجري تقييمها، ويقومون بمراقبة الأداء دون التدخل في سير العمل أو التأثير على القرارات التشغيلية. وكذلك تقوم هذه الفرق بقياس مدى جاهزية كل مستشفى بشكل منفرد عن الأخرى وتضع توصيات مبنية على ملاحظات تناسب هذه المستشفى. ويسمح لنا هذا النهج برصد كيفية عمل النظام الصحي على مستوى محلي وتحت الضغط وبشكل واقعي، وتمكننا من تحديد نقاط القوة والضعف، والجوانب التي لن نستطيع رؤيتها أو ملاحظتها في الاستبيانات أو التقييمات الذاتية.
الخاتمة
عرفتنا هذه الدراسة التي أجراها الباحثون الصينيون على مفهوم الجاهزية، وجعلتنا نفهم ما معنى الجاهزية الإدراكية والجاهزية الفعلية. وجعلتنا نرى الفرق بين شعور الفرد بأنه مستعد وحقيقة أن مؤسسته بأكملها مستعدة. ما غفل عنه الباحثون في هذه الدراسة كان أن الشعور بالاستعداد لا يكفي وحده للحكم على قدرة المؤسسة الصحية على التعامل مع أزمة حقيقية، إذ لا تظهر نقاط القوة والضعف الحقيقية إلا عندما تواجه المؤسسة اختبارًا عمليًا في ظروف واقعية.
لذلك فإننا نأمل بأن يأتي باحثون في المستقبل يمتلكون رؤية وشغفًا لتصميم مقياس عملي واقعي يقيس مدى استعداد وجاهزية المؤسسات الصحية أثناء وقوع الظرف الصحي الطارئ، آخذين بنظر الاعتبار النتائج التي وصلت إليها المستشفيات، وكيف أعادت الأمور لحالة الاتزان.
فإن التحدي المستقبلي لا يتمثل فقط في تطوير أدوات أفضل لقياس الجاهزية، بل في إيجاد طرق تسمح بتقييم الأداء الحقيقي للمؤسسات الصحية أثناء الأزمات التي صُممت هذه الأدوات لقياسها